الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

460

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فإن نواميسكم كانت خدما في أيدي الطامعين . وليس هذا المورد خاص ببني إسرائيل ، بل في جميع الأمم والأقوام . فإن يوم الوصول إلى الاستقلال والحرية وقطع أيدي الطواغيت يوم من أيام الله الذي يجب أن نتذكره دوما حتى لا نعود إلى ما كنا عليه في الأيام الماضية . " يسومونكم " من مادة ( سوم ) على وزن ( صوم ) بمعنى البحث عن الشئ ، وتأتي بمعنى فرض عمل على الآخرين ( 1 ) ، ولهذا فإن معنى جملة يسومونكم سوء العذاب : إن أولئك كانوا يفرضون عليكم أسوأ الأعمال وأكثرها تعذيبا . وهل أن تجميد وإبادة الكتلة الفعالة في المجتمع واستخدام نسائهم وإذلالهن على يد فئة ظالمة وطاغية يعتبر أمرا هينا ؟ ! ثم إن التعبير بفعل المضارع " يسومون " إشارة إلى أن هذا العمل كان مستمرا لمدة طويلة . وجملة يذبحون أبناءكم . . . معطوفة على " سوء العذاب " وفي عين الوقت هي من مصاديق سوء العذاب ، وذلك بسبب أهمية هذين العذابين ، وهذا توضيح أن فرعون وقومه الظالمين فرضوا على بني إسرائيل أحكاما جائرة أخرى ، إلا أن هذين العذابين كانا أشد وأصعب . ثم يضيف القرآن الكريم وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( 2 ) يمكن أن تكون هذه الآية من كلام موسى لبني إسرائيل التي دعاهم فيها إلى الشكر في مقابل ذلك النجاة والنصر والنعم الكثيرة ، ووعدهم بزيادة النعم ، وفي حالة كفرهم هددهم بالعذاب ، ويمكن أن تكون جملة مستقلة وخطابا للمسلمين ، ولكن على أية حال فالنتيجة واحدة ، لأنه حتى إذا كان الخطاب موجها لبني إسرائيل وروده في القرآن الكريم ليكون درسا بناءا لنا .

--> 1 - راجع المفردات للراغب ، وتفسير المنار ، [ المجلد الأول ، ص 308 ] وتفسير الرازي [ المجلد السابع ، ص 7 ] . 2 - " تأذن " من باب " تفعل " بمعنى الإعلام للتأكيد ، لأن مادة أفعال من ( إيذان ) بمعنى إعلام ، ولما يصبح من باب تفعل يستفاد منه الإضافة والتأكيد .